الرئيسية » الاخبار المنوعة » في الذكرى الخامسة لاستشهاد الشيخ احمد ياسين
في الذكرى الخامسة لاستشهاد الشيخ احمد ياسين

في الذكرى الخامسة لاستشهاد الشيخ احمد ياسين




الطراز الفريد

[13:24مكة المكرمة ] [22/03/2009]











- كان أشد الخطباء حماسًا في مواجهة الاحتلال الصهيوني.

- حكم عليه بالسجن مدى الحياة وتعرض للاغتيال مرتين.

- استشهد صائمًا بعد صلاة الفجر و7 سموا باسمه يوم استشهاده.



البيضاء نيوز-إخوان اون لاين -تقرير- إسلام توفيق:

الذكرى الخامسة لاستشهاد الرجل الرباني الشيخ المجاهد أحمد ياسين- تقبله الله في الشهداء- الذي اغتالته قوى الشر الصهيونية الغادرة بعد صلاة الفجر في الثاني والعشرين من مارس 2004م، ليلقي ربه صابرًا صائمًا محتسبًا، تبقى الذكرى العزيزة علينا وعلى المسلمين في كل مكان، بل على الشرفاء والأحرار في العالم كله.



فقد كان طرازًا فريدًا بين قادة الثورات الوطنية، فقد نبت مع جذور الشعب الفلسطيني، وقاسمه النكبات، وعاش معه في المنافي والمخيَّمات التي فرضها عليه الكيان الصهيوني، وكان إيمانه عاصمًا له من اليأس أو الركض وراء السراب والأوهام، وقد أدرك- قبل غيره- حقيقة النوايا الصهيونية، وأن السلام الذي يتحدثون عنه ليس سوى الاستسلام الرخيص، ففضَّل تسمية الأشياء بأسمائها وعدم إضاعة الوقت، وقد جاءت نهايته مصداقًا لما آمن به، ودعا قومه لإدراك منزلة الشهادة.



إنه بطلٌ في زمن الهزائم، وشجاع في أجواء الجبن، وقائد في محيط الصعاليك، وعملاق في وسط الأقزام، ورجولة في ميادين النذالة، وأمل في ضياع الطريق ووعورة الدرب، وأمة بعد التنازع والانحلال والتفسخ، وذهاب الريح، وصمود في وجه التمزق والانهيار والهزائم، ومثل بعد فقدان القدوة والرجولة والشرف، وحكمة في وسط الذهول وضياع الأحلام وعمى البصائر، وإيمان في أجواء الانحلال وضياع الهوية وبروز قرون الشياطين، وثقة في نصر الله ووعده للمؤمنين، في وسط الظلام والتيه وتكالب الأعداء ورجوم الظنون، وهواجس الضمائر.



الميلاد والنشأة 
الشهيد أحمد ياسين كان حريصًا على رعاية وتربية النشء


ولد الشيخ "أحمد إسماعيل ياسين" عام 1938م في قرية الجورة، قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، ثم لجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد نكبة 1948م، وهو العام الذي شهد أول ثورةٍ مسلحة ضد النفوذ الصهيوني المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية, وسبب التسمية أن والدته رأت رؤيا في منامها أن الله رازقها بولد خير, وطلب منها "الهاتف" في المنام أن تسميَه "أحمد"، ولم تتردَّد في تسميته بهذا الاسم على الرغم من أن الوالد أراد أن يسميَه اسمًا آخر, لخلافٍ شخصي مع رجلٍ اسمه أحمد، وقد عرف عنه النشاط والحركة منذ صغره، وحبه لممارسة الرياضة أدَّى بعد ذلك لإصابته بحادثٍ نتج عنه شلل جميع أطرافه شللاً تامًا.



عندما وُلد الشيخ أحمد ياسين كانت صحته ممتازةً ونموه طبيعيًّا, وكان نشيطًا وذكيًّا ومرحًا وخفيفَ الحركة, مات والده وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره، فتغيَّر نمط حياة الأسرة تغيُّرًا كبيرًا, التي كانت حالتها الاقتصادية ممتازة, وكانت من أغنى أهل الجورة تقريبًا, فاضطرهم هذا الموت المبكِّر للوالد أن يتعاون الإخوة فيما بينهم لتحصيل رزقهم.



ثم التحق بمدرسة الجورة الابتدائية, وواصل الدراسة بها حتى الصف الخامس, وهنا حدثت نكبة فلسطين عام 48 فانقسمت عائلته شطرَين, ذهب هو مع الجزء الذي توجَّه إلى منطقةٍ آمنةٍ في غزة، وفي عام 1950م ترك مقاعد الدراسة للإنفاق على إخوته السبعة عن طريق العمل في أحد المطاعم, ثم عاد إلى الدراسة مرةً أخرى.



أنهى الشيخ ياسين تعليمه الابتدائي عام 1952م والإعدادي عام 1955م, وكانت حركة الإخوان المسلمين من أنشط الحركات في قطاع غزة, وكانت تضم قطاعًا كبيرًا من الطلاب لدرجة أن معظم الطلاب العرفاء في الفصول- الذين ينتخبهم زملاؤهم- كانوا من المنتمين للإخوان المسلمين.. وعاش الشيخ سني حياته الأولى في هذا الخضم الفكري والسياسي, وكان يتردَّد على مسجد أبو خضرة لحضور المحاضرات التي كانت تأتي إلى غزة, وكان الشيخ الأباصيري والشيخ الغزالي لهما حضور ملحوظ في هذه المرحلة الزمنية.



إلا أن "ياسين" الذي لم يستسلم لعجز من قبل، وتربَّى على الإسلام تغلَّب على هذا العجز، وأصبح أكثر حركةً ونشاطًا في مجال الدعوة، ولم تعطلْه وظيفتُه في مجال تدريس اللغة العربية والتربية الدينية على أن يكون أشهر خطيب وداعية عرفته غزة منذ زمن طويل.



ولفتت نشاطات الحركة الإسلامية نظر الشيخ، فقرَّر عام 1955م إعطاء البيعة (وكان عمره 19 عامًا) بعد أن مرَّ بالمرحلة الإعدادية المطلوبة للتأكد من صلاحه وتقواه وصدق نواياه في خدمةِ الإسلام والمسلمين, ودخل في أسرةٍ واحدةٍ مع الشاعر المعروف د. عبد الرحمن بارود الذي حصل على الدكتوراه في اللغة العربية من مصر.



وكان انتماء الشهيد للحركة مبنيًّا على إيمانٍ عميقٍ بهذا الدين وحماس منقطع النظير ورغبة في تفعيل أبناءِ مجتمعه وتقريبهم نحو الإسلام, خاصةً وهو يرى أن الكثيرين منهم قد ابتعدوا عن الطريق التي أرادها الله لعباده.



وفي السادسة عشرة من عمره- وقبل أن ينضم للإخوان- عام 1953م, تعرَّض الشهيد أحمد ياسين لحادثةٍ خطيرةٍ أثَّرت في حياته كلها منذ ذلك الوقت, فقد أُصيب بكسرٍ في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه, وبعد 45 يومًا من وضْعِ رقبته داخل جبيرة من الجبس اتضح بعدها أنه سيعيش بقية عمره رهين الشلل الذي أُصيب به في تلك الفترة.



وفي يوم الحادث أخذ الشيخ أحمد ياسين كتابه ليقرأ كالعادة، فوجد أصدقاءه في انتظاره، فاتجهوا إلى شاطئ البحر، وبدأت التمارين الرياضية، وأخذ الجميع يتنافسون, وكان التمرين الذي يتنافسون في تنفيذه هو الوقوف على الرأس مع رفع الرجلين لأعلى مستقيمة, وكانت القدرة تُقاس بمَن يستطيع أن يصمد زمنيًّا أكثر من غيره.



ونفَّذ الشيخُ التمرين ومكث فترةً وهو على الوضع سالف الذكر إلى أن وقع على الأرض فجأةً، فحاول أصحابه أن يُوقفوه, ولكنهم وجدوا أن جسمه قد تصلَّب تمامًا ولا يستطيع القيام أو القعود, فقام إخوته بعمل تدليك موضعي له, إلا أن ذلك لم يُفد, فأخذوه إلى عيادة وكالة غوث اللاجئين, وتبيَّن أن النخاع الشوكي قد أُصيب, وأن هناك تلفًا في فقراتِ الرقبة؛ إذْ تداخلت مع بعضها البعض, وبقي الشيخ على ذلك فترة شهرين كاملين لم يستطع أثناءهما الحِراك.



أنهى "ياسين" دراسته الثانوية عام 1958م وعمل بمهنة التدريس, وكان معظم دخله يذهب لمساعدة أسرته, وفي عام 56 شارك في المظاهرات التي اندلعت في غزة؛ احتجاجًا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر, وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة؛ حيث نشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض فكرة الإشراف الدولي على غزة, مؤكدًا ضرورة عودة الإدارة المصرية إلى هذا الإقليم.

   
الإعاقة لم تمنع الشهيد من مزاولة حياته بشكل طبيعي


وبعد أن أنهى دراسته الثانوية كان يحلم بإكمال دراسته الأكاديمية في مصر, ولكن إعاقته وظروفه المالية حالت بينه وبين ذلك.



وبعد أن استقلَّ الشيخ ماديًّا وأصبح قادرًا على أن يكفل زوجةً تحدَّث إلى أهله برغبته في الزواج, وتزوَّج في أوائل الستينيات من السيدة حليمة ابنة السيد حسن ياسين، ورزقه الله منها بسبعٍ من البناتِ وثلاثة من الأبناء.



وفي أثناء عمله بالتدريس بدأت موهبته الخطابية في الظهور بقوة, غير أنَّ الوضعَ الدعوي في القطاع تأثَّر سلبًا بعد اصطدام عبد الناصر بالإخوان في مصر, وتمَّ اعتقال الشيخ من قِبل المخابرات المصرية عام 1965م؛ حيث كانت تدير شئون قطاع غزة آنذاك, وعن هذه الفترة يقول: "إنها عمَّقت في نفسه كراهية الظلم, وأكَّدت أن شرعية أي سلطةٍ تقوم على العدل, وإيمانها بحقِّ الإنسان في الحياة بحرية".



بداية جهادية

وفي عام 1967م كان من أشد الخطباء حماسًا في مواجهة الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة؛ حيث ألهب مشاعر المصلين من فوق المنابر، وبخاصةٍ منبر مسجد العباس الذي كان يخطب فيه، وقام بجمع التبرعات ومعاونة أسر الشهداء والمعتقلين، وأسَّس المجمع الإسلامي بغزة.



في البداية قام بتأسيس المجمع الإسلامي في غزة الذي أصبح نواةً للعمل الخيري والدعوي في غزة، وانطلقت الدعوة وامتدت منه بعد ذلك إلى الضفة الغربية، وأصبح "ياسين" أحد وأهم رموز الإخوان في فلسطين، وعندما حاول البعض استعجال التحول للمقاومة كان لـ "ياسين" وإخوانه في الحركة رأي آخر، وهو الانتظار حتى الإعداد الكامل، استنادًا إلى إستراتيجية الاعتماد على الذات، وأن قرار المقاومة يتطلب إعدادًا لمواجهة قد تمتد سنوات، وهي الإستراتيجية التي ثبتت فاعليتها بعد ذلك في الانتفاضة الأولى 1987م، ثم انتفاضة الأقصى عام 2000م.



وفي عام 1968م أدرك الإخوان في غزة أنه لا بد من وجود قيادة لضبط العمل وتوجيهه؛ لذلك اجتمعت مجموعةٌ من قيادات الحركة في منطقة المعسكرات الوسطى لاختيار الشيخ أحمد ياسين قائدًا جديدًا؛ بما له من قدرات ونشاطات وتأثير, وعمد الشيخ ياسين هو ورفاقه إلى إعادة ترتيب الأوراق بعد قراءة المرحلة برويةٍ وتأنٍّ, وكان الخيارُ مشروعًا عملاقًا للإحياء والمقاومة.. مشروعًا يبدأ بترسيخ الأسس والقاعدة البشرية الصلبة، وبهذا كان نهج جماعة الإخوان في فلسطين يقوم على تدعيم الأرضية التي بوسعها أن تتحمل بناءً عملاقًا لمواجهة الاحتلال, واستغرق الأمر عقدين من الزمن حتى نضجت الثمار وظهرت قويةً في الانتفاضة الأولى 1987م التي ظهرت فيها حركة المقاومة الإسلامية حماس واضحةَ الأسس والمعالم قوية البناء, صلبة المواقف.



ونشأت حماس كحركةٍ فلسطينيةٍ جهادية بالمعنى الواسع لمفهوم الجهاد، مؤمنةً بأن النهضة هي المدخل الأساسي لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.. وكانت مهمة الشيخ أحمد ياسين أن يكون الناطق الرسمي باسم حماس, وقامت الحركة بالعديد من الأعمال الجهادية في ظل الانتفاضة؛ مما عرَّضها إلى ضربات قوية من الاحتلال الصهيوني في عام 1988م, فتوجَّه الشيخ إلى المهندس إسماعيل أبو شنب, طالبًا منه المساعدة في إعادة بناء الجهاز السياسي والأمني للحركة، وإضافةً إلى الجانب التربوي الذي بدأه الشيخ "ياسين" منذ أواخر الستينيات كان لحماس برامج أخرى اجتماعية وسياسية وجهادية استطاعت من خلالها أن تكون أكبر قوة مؤثرة في المجتمع الفلسطيني.



ورغم إستراتيجية "ياسين" والإخوان في فلسطين القائمة على مبدأ النفَس الطويل إلا أن قوات الاحتلال الصهيوني اعتقلته عام 1983م بتهمة حيازة أسلحة، وتشكيل تنظيم عسكري، والتحريض على إزالة الدولة العبرية من الوجود، وحوكم أمام محكمة عسكرية صهيونية أصدرت عليه حكمًا بالسجن لمدة 13 عامًا، إلا أن سلطات الاحتلال أفرجت عنه عام 1985م في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة- بعد أن أمضى 11 شهرًا في السجن.



الانتفاضة الأولى

بعد خروج الشيخ ياسين من المعتَقَل لم يتوقف عن عمله الدعوي، والاستعداد للحظة يبدأ فيها هو وإخوانه قيادة المقاومة من الداخل، إلا أن حادثة الاعتداء الآثم الذي نفَّذه سائق شاحنة صهيوني في 6 ديسمبر 1987م ضد سيارة صغيرة يستقلها عمال عرب، وأدَّى إلى استشهاد أربعة من أبناء الشعب الفلسطيني في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين كانت إعلانًا بدخول مرحلة جديدة من جهاد الشعب الفلسطيني وفرصة للإخوان أن ينتفض الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال فاجتمع عدد من قيادات الإخوان في فلسطين برئاسة "ياسين" وأعلنوا عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي عرفوها في بيانهم التأسيسي الصادر في  الخامس عشر من ديسمبر 1987م بأنها "الذراع الضارب لحركة جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين المحتلة"، وقادت الحركة بالفعل- وعلى رأسها الشيخ "ياسين"- الانتفاضة الأولى، وبدأت تتطوَّر الانتفاضة من استخدام الحجارة إلى استخدام السكاكين واختطاف جنود الاحتلال حينئذٍ بدأ الاحتلال يتيقن أن "حماس" ليست كأي تنظيم آخر فبدأ يستهدفها فاعتقل كل قياداتها، وعلى رأسهم الشيخ "أحمد ياسين" في مايو 1989م، وأصدرت محكمة عسكرية صهيونية في السادس عشر من أكتوبر من عام 1991م حكمًا بالسجن على "ياسين" مدى الحياة مضافًا إليه 15عامًا، بعد أن وجهت للشيخ لائحة اتهام تتضمن 9 بنود، منها التحريض على اختطاف وقتل جنود صهاينة، وتأسيس حركة "حماس"، وجهازيها العسكري والأمني.

   
المجاهد الشهيد أحمد ياسين محمولاً على الأعناق في إحدى المظاهرات


لم يلِنْ الشيخ أو يستسلم أو يهتز أمام تلك الأحكام القاسية معتبرها ضريبة الجهاد في سبيل الله الذي يرفع الجهاد دائمًا رايته بشعار "الجهاد سبيلنا"، ولا ينسى العالم صبر وصلابة الشيخ أثناء استجوابه علنًا في المحكمة العسكرية والذي بثَّه التليفزيون الصهيوني عام 1991م عندما سأله المحققون عن إيمانه بأن الجهاد هو السبيل لتحرير فلسطين فأجاب واثقًا "نعم، هذا شيء طبيعي".



وحاولت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري الوليد حينئذٍ لحركة حماس أن تضغط على الكيان باختطاف مجموعة منها جندي صهيوني، وعرضت الإفراج عن الجندي مقابل الإفراج عن الشيخ "ياسين" ومجموعة من المعتقلين في السجون، بينهم مرضى ومسنون ومعتقلون عرب اختطفتهم قوات صهيونية من لبنان، لكن الحكومة الصهيونية رفضت العرض وداهمت مكان احتجاز الجندي مما أدَّى إلى مصرعه ومصرع قائد الوحدة المهاجمة قبل استشهاد أبطال المجموعة الفدائية في منزل بقرية بيرنبالا قرب القدس.



وفي عام 1997م وبعد فشل المخابرات الصهيونية في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أثناء وجوده في الأردن قبلت الحكومة الصهيونية في الأول من أكتوبر من عام 1997م العرض الأردني بالإفراج عن الشيخ مقابل تسليم عميلين صهيونيين اعتقلا في الأردن عقب محاولة الاغتيال الفاشلة.



وخرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين لاستقبال الشيخ "ياسين" لدى عودته إلى غزة، ثم قام بجولة علاج بالخارج زار خلالها العديد من الدول العربية، ليكشف حقيقة جرائم الاحتلال, وليحشد الدعم المادي والمعنوي من أجل القضية الفلسطينية؛ حيث نجح خلالها في جمع مساعدات عينية ومادية قُدِّرت بنحو 50 مليون دولار، واستُقبل بحفاوةٍ من قبل زعماء عرب ومسلمين، ومن قبل القيادات الشعبية والنقابية، ومن بين الدول التي زارها السعودية وإيران وسوريا والإمارات.



ورغم منهج الشيخ المعروف برفض الصدام الفلسطيني- الفلسطيني، وتجاوزات السلطة الفلسطينية ضد حركة حماس إلا أن السلطة في أحيان كثيرة مارست ضغوطًا على الشيخ وصلت إلى فرض الإقامة الجبرية عليه.



انتفاضة الأقصى

وبعد مرور سبع سنوات عجاف من جود سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية التي مارست كل أنواع الفساد والتضييق على فصائل المقاومة، خاصةً حماس وقياداتها الذين رفضوا الانجرار إلى صدام فلسطيني- فلسطيني لن يستفيد منه إلا الصهاينة رغم عمليات الاعتقال الواسعة في صفوف الحركة من قبل السلطة جاءت انتفاضة الأقصى التاسع والعشرين من سبتمبر عام 2000م؛ ردًّا على فشل مسيرة التفاوض في تحصيل الحق الفلسطيني الذي صبر على كل مصائب الاحتلال وتجاوزات السلطة على أمل إعلان دولة فلسطينية مستقلة طبقًا لاتفاق أوسلو في مايو 1999م، وهو ما لم يحدث بل بات موضوع الدولة الفلسطينية سرابًا وخدعةً صهيونيةً.



وانطلقت انتفاضة الأقصى وأصبحت حماس في طليعتها وعلى رأسها الشيخ "ياسين" شيخ انتفاضة الأقصى، كما كان شيخ الانتفاضة الأولى، ولم يجزع الشيخ من إعلان الصهاينة أن حماس هدفهم الأول، وأن القيادات كلها مستهدفة في ظل حصار عربي ودولي مفروض على الفلسطينيين والحركة يمنعوا عنهم حتى الغذاء والدواء، ويعتقل كل مَن يثبت دعمه لهؤلاء ويضيق عليه حتى لو كان هذا الدعم دواء لعلاج جرحى الانتفاضة الذين يسقطون بكل أنواع السلاح الصهيوأمريكي، ولا يجدوا حتى الطعام أو الدواء وليس السلاح الذي هو أقل أنواع الدعم لشعب يجاهد من أجل تحرير أرضه ومقدسات المسلمين في ظل هجمة أمريكية وأوروبية شرسة على كل ما هو إسلامي.



لم ينهزم "ياسين" أو يتغير مع التصعيد الصهيوني الشديد ضد الحركة، وهو يرى كل رموزها يتم اغتيالهم الواحد تلو الآخر أمثال الشيخ "جمال سليم" و"جمال منصور" والشيخ "صلاح شحادة" أحد مؤسسي الحركة معه، والمهندس "إسماعيل أبو شنب" وغيرهم، وظل خطاب الشيخ "ياسين" موجهًا فقط ضد الاحتلال وعملائه مناديًا بوحدة الصف الفلسطيني خلف خيار المقاومة الذي أثبتت الخبرة أنه السبيل الوحيد لتحرير الأرض وتحصيل الحقوق.



استشهاد الرمز

لقد جاءت عملية الاغتيال الصهيونية للشيخ "ياسين" لتؤكد أن هؤلاء الصهاينة ليس لهم عهد ولا ذمة، وأنهم أصل الإرهاب في العالم.. فماذا يكسبون باستهداف رجل قعيد مشلول يُعاني من أمراض عدة منها "فقدان البصر في العين اليمني بعد ضربه عليها أثناء التحقيق عام 1989م، وضعف شديد في قدرة الإبصار للعين اليسرى، التهاب مزمن بالأذن، حساسية في الرئتين، أمراض والتهابات باطنية ومعوية".



الإجابة هي أن الصهاينة أصبحوا كمصاصي الدماء يزدادون ابتهاجًا كلما رأوا دماءً أكثر، خاصةً عندما يتيقنون أنهم يخوضون حربًا غير متكافئة بالمرة ليحققوا فيها نصرًا من وجهة نظرهم يداري هزائمهم أمام شباب المقاومة في فلسطين الذين يقفون وحدهم أمام القوة الأولى عسكريًّا في المنطقة مدعومين بالشيطان الأكبر أمريكا.

   
الآلاف شاركوا  في تشييع جنازة الشهيد الرمز الشيخ أحمد ياسين


إن عملية الاغتيال التي أدَّت إلى استشهاد الشيخ "ياسين" ونجله وسبعة آخرين، إضافةً إلى إصابة العشرات بعد أدائهم صلاة الفجر جعلت الأرض نارًا تحت أقدام اليهود في فلسطين، وربما امتدت إلى المنطقة بأسرها، فهذه الدولة العبرية التي تتكفل أمريكا بتوفير العظمة لها وتُهدِّد بها العرب تحرَّكت لتقتل هذا الرجل مُقعَدًا المسلوب الحركة، وكأنها كانت مُقْدمةً على معركة هائلة أُعدِّت لها الصواريخ وخُطِّطت لها، وأشرف عليها شارون رئيس الحكومة الصهيونية آنذاك على إدارة المعركة حتى اغتيل الشيخ وتمزَّق، وبذلك بردت نار الكيان، ولا تعلم أن الأمرَ سيشعل المعركة أكثر؛ لأن الأمر ليس أمر أحمد ياسين، وإنما هو أمر العقيدة التي كان ينطوي عليها صدر أحمد ياسين لتضيف إلى رصيد الكراهية لليهود والأمريكان في قلوب العرب والمسلمين المزيد والتي ستتحول يوما ما إلى وقود للمقاومة.



"ياسين" إنه لم يمت لأنه شهيد قُتل في سبيل الله؛ دفاعًا عن أرض الله المقدسة؛ أرض الأنبياء؛ ولأن الله سبحانه قرر ذلك في محكم التنزيل بقوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)، وقوله: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).



لم يمت لأنه يحيا في نفوس أطفال الحجارة منذ أن حملوا أول حجر وأطلقوه في وجه أعداء الله من اليهود والصهاينة، ومنذ أن سقط أول شهيد على أرض فلسطين حتى آخر شهيد فيها حتى لحق بهم أجمعين.. إنه لم يمت بمقاييس الذكرى في حياة البشر، وهو يتجدد في حياة كل مولود جديد في فلسطين أو في كل مكان من الأرض يطل فيها مولود فلسطيني.. وكيف له ألا يكون كذلك، وكل مَن على ظهر الأرض اليوم من كل ذي ناب وظفر، ومن كل بارٍّ أو فاجر، ومن كل من مؤمن أو كافر، يعلمون يقينًا فداحة الجرم ونذالة الجريمة النكراء ووسيلة ارتكابها وجبن منفذيها وخساسة مرتكبيها، وذل من خططوا لها ودبروها، ومَن يقف وراءها من الجبناء الحاقدين من حثالات اليهود وكلهم حثالات!.



لقد أثبت هذا البطل للعاملين للإسلام أن الإرادةَ والتصميمَ والعزيمةَ القويةَ والهمةَ العاليةَ إنما تكمن في الإيمان القوي، وصوت الحق الهادر الفتي الذي يُحرِّك الأمةَ جمعاء، فلا يقف دونه دبابات ولا حتى ترسانة نووية، حتى وإن كان صاحبُه مسلوبَ القدرة على الحركة.



فقد كان رمزًا للعقيدة التي تخشاها أمريكا ويخشاها الصهاينة، أما الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية، والذين قبضوا الأموال مقابل الجاسوسية والمعلومات المخابراتية.. هؤلاء توارَوا جميعًا من المشهد وقتها، ولا وجودَ لهم ولا ذكرَ لهم؛ لأن القضية لا تعنيهم، أما الذين تعنيهم القضية فهم الذين ساروا على درب أحمد ياسين عندما قال: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".



سوف يظل ذكره ولن ينقطع، ومن علامات ذلك أن هناك ستةً وُلدوا في قرية الشهيد أحمد ياسين في نفس اليوم الذي استُشهد فيه، وسُمُّوا جميعًا بـ"أحمد ياسين"، سوف يظل ذكره، وتدوم قدوته، وتستمر سيرته نبراسًا للذين أتوا بعده وملئوا الفراغ الذي تركه، وسيستمر الرعب الذي مثَّله مقتله في قلوبِ الذين يتخفَّون بالجدر، ويحتمون بالقرى المحصنة، والله غالبٌ على أمره، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون


التعليقات على الفيس بوك



أضف تعليق

Developed By Mohanad Ameen,Powered By Arab-Portal